ابن المقفع
193
آثار ابن المقفع
فاستعد « 1 » عليّ . قال الصفرد : القاضي منا قريب فهلمي بنا إليه . قالت الأرنب : ومن القاضي ؟ قال الصفرد : إن بساحل البحر سنورا متعبدا يصوم النهار ويقوم الليل كله ولا يؤذي دابة ولا يهريق « 2 » دما . عيشه من الحشيش ومما يقذفه اليه البحر ، فإن أحببت تحاكمنا اليه ورضينا به . قالت الأرنب : ما أرضاني به إذا كان كما وصفت . فانطلقا اليه ، فتبعتهما لأنظر إلى حكومة الصوام القوام « 3 » . ثم إنهما ذهبا اليه . فلما بصر السنور بالأرنب والصفرد مقبلين نحوه انتصب قائما يصلي وأظهر الخشوع والتنسك . فعجبا لما رأيا من حاله ودنوا منه هائبين له وسلما عليه وسألاه ان يقضي بينهما ، فأمرهما ان يقصا عليه القصة ففعلا . فقال لهما : قد بلغني الكبر وثقلت أذناي « 4 » فأدنوا مني فاسمعاني ما تقولان . فدنوا منه وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم . فقال : قد فهمت ما قلتما وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة . فأنا آمركما بتقوى اللّه ، وألا تطلبا إلا الحق ، فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه ، وطالب الباطل مخصوم « 5 » وإن قضي له ؛ وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء ولا مال ولا صديق سوى العمل الصالح يقدمه . فذو العقل حقيق ان يكون سعيه في طلب ما يبقى ويعود نفعه عليه غدا وأن يمقت بسعيه ما سوى ذلك من أمور الدنيا . فإن منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر « 6 » ، ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره من الشر بمنزلة نفسه . ثم إن السنور لم يزل يقص عليهما من جنس هذا وأشباهه حتى أنسا اليه وأقبلا عليه ودنوا منه فوثب عليهما فقتلهما .
--> ( 1 ) استعد علي : استعن . ( 2 ) يهريق : يهرق . ( 3 ) الصوام القوام : اي السنور . ( 4 ) ثقلت أذناي : اي ضعف سمعي . ( 5 ) مخصوم : مغلوب في الخصام . ( 6 ) المدار : الطين اليابس .